ابن حمدون
184
التذكرة الحمدونية
العرب الحرب ، فاستنفر كالفحل بذنبه [ 1 ] وتحرّك لأمر ربّه ، وضرب بمن أطاع من عصى حتى أعاد الدين جديدا ، وأبرم ما انتقض منه ، ورأب ما انصدع ، وردّ الأمور إلى حقائقها ، ثم مضى على صراط سويّ [ 2 ] مستقيم ، وأحكام عادلة وسنن هادية . واجتهد لما ذنت منيّته ، وناصح نفسه والمسلمين نظرا منه لهم ، فبايع عمر [ 3 ] بن الخطاب رحمة اللَّه عليه واستخلفه ، فألفيناه واللَّه ماضي العزيمة ، صادق النيّة ، غير خوّار القناة ، ولا قلق الوضين ، ولا رخو اللَّبب . وكره ذلك رجال شمخوا بأنوفهم ، وصغوا بأعناقهم إلى أمر قصروا [ 4 ] عنه وناله ، فأرغم معاطسهم ، وكعمهم وقمعهم ، ووسمهم بالحقّ سمة الرعاء آذان الغنم ، فتفاجّت عن خبيئها تفجّي الناقة لدرّة الحلب ، حتى إذا نالته يد القضاء وخبطته يد المنية لانقضاء المدة المعلومة والأنفاس المعدودة ، أشفق من الاختلاف والفرقة ، فجعل الأمر شورى لا يعقد إلَّا على إجماع ، فمخضوا الآراء مخض الزبدة بالوطاب ، وامتطوا [ 5 ] رواحل الفكر خوف الهلكة ، وأجالوا الرأي لئلَّا يهلك مشاور عن مشورته [ 6 ] ، فلم يروا أحدا أحقّ بالخلافة ولا أقوم بها [ 7 ] من ابن عفان ، فقلدوها أسمحهم نفسا ، وأفسحهم صدرا ، وأطولهم باعا ، فمضى يقفو الأثر ويتبع المنهاج على سنة من تقدم [ 8 ] كقدّ الشراك ، فلما طال به العمر ونزحت الدار بأنصاره ، بادر الأشقياء إلى قتله وقالوا : خصّ أهله ، وآثر أصحابه ، وزاغ عن الحق إذ لم يكونوا لما أرادوا منه أهلا ، بعد اجتماعهم عليه ، ومسارعتهم إليه ،